أحمد بن محمد مسكويه الرازي
195
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
لاختيار الموت الجميل على الحياة الرديئة ، كما يفعل الشجاع بالحقيقة . وأما شجاعة الأسد والفيل واشباههما من الحيوان فإنها تشبه الشجاعة وليست بشجاعة حقيقية ، وذلك أنّها قد وثقت بقوتها وانها تفوق غيرها فهي تقدم لا بطبيعة الشجاعة ، بل لتمام القدرة وثقة النفس والغلبة ، وما كان منها سبعا فهو مع هذه الحال مزاح العلة في السلاح الذي عدمه ، وهو كصاحب السلاح منا إذا قدم على الأعزل ، وليست هذه شجاعة مع عدم الاختيار الذي يستعمله الشجاع ، وذلك ان الشجاع خوفه من الأمر أشد من خوفه من الموت ، ولذلك يختار الموت الجميل على الحياة القبيحة ، على أن لذة الشجاع ليست تكون في مبادئ أموره فان الأمور تكون مؤذيه له ، لكنها تكون في عواقب الأمور وتكون أيضا باقية مدة عمره وبعد عمره ، لا سيما إذا حامى عن دينه وعن اعتقاداته الصحيحة في وحدانية اللّه عز وجل ، والشريعة التي هي سياسة اللّه وسنته العادلة التي بها مصالح العباد في الدنيا والآخرة . « 1 » فإن مثل هذا إذا فكر في قصر مدة عمره ، وعلم أنه لا محال سيموت بعد أيام ثم كان محبا للجميل ثابتا على الرأي الصحيح ، فهو لا محال يحامي عن دينه ويمنع العدو من استباحة حريمة ، والتغلب على مدينته ، ويأنف من الفرار ، ويعلم أن الجبان إذا اختار الفرار فإنما يستبقي شيئا هو لا محال فان زائل ، وإن تأخر أياما معدودة ، ثم هو في هذه الحياة اليسيرة ممقوت مكّدر الحياة بالذل وضروب الصغار ، وهذه حال
--> ( 1 ) . وأروع من جسّد هذه الشجاعة الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام على أرض كربلاء ، حيث أنه كان ابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ولكن رفض حياة الذل مع الظالمين ، وفضّل الموت والشهادة بعز واكرام حيث قال في تلك الواقعة المؤلمة ، والمفجعة في كربلاء : ألا وإنّ الدعيّ ابن الدعي قد ركز بين اثنتين ، بين السلّة والذلة ، وهيهات من الذلة . وأيضا قال : إنّي لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما .